كلما اشتد النقاش حول قانون "بناء الكنائس" كلما انسحبت تدريجيا عن الخوض فيه، وكررت أكثر من مرة أن مصر ليست في حاجة لكنائس وجوامع جديدة نقول عنها بيوت الله، لأن الله يُفضل أن يسكن قلوب البشر عوض الحجارة، وأن كانت هناك قري بالفعل محرومة من وجود كنائس إلا أنه إذا توافر لدي مجموعة من البشر الأرض والمال فالأولي أن يقوموا ببناء مستوصف أو مكان خدمي أو توفير بنية تحتية كالصرف الصحي ومياه الشرب، وأعلم أنها مسئولية الدولة أو بالأدق "شبه الدولة" ولكن "أدي الله وأدي حكمته" في دولتنا التي لا يحكمها إلا الجشعين.
ولكن يبدو أن كلامي مثالي وأبعد ما يكون عن التطبيق خاصة في شعب يجد ضالته وعزائه شكلياً في التمسح في رداء الدين، ولكن المعضلة هذه الأيام هي أن شريحة كبيرة من المصريين ظنت أن "الحكم العسكري" أقل طائفية من التيارات الإسلامية، وبالأخص شريحة المسيحيين من مؤيدي "الرئيس" والتي تعيش اليوم حالة صدمة في "مخلصها".
يبدو أن صدمة هؤلاء في ما يخص قانون "بناء الكنائس لم تعد خفية، وعلي مستوي شخصي ألمسها وأسمعها كل يوم ممن حولي وكانوا يسبحون بحمد السيسي ليل نهار، وذلك بالتزامن مع تكرار الحوادث الطائفية وتجاهله المتعمد التعليق عليها مما زاد من صدمتهم في نيته الحقيقة للقصاص لهم، أضف علي ذلك صدمتهم كمواطنين عامة في ما وصل له الحال الاقتصادي والسياسي.
عادت نبرة المظلومية والضعف والاستكانة للمسيحيين، بعد أن زال خدر زيارات السيسي للكاتدرائية، التي رددوا بعدها "مش مهم أي حاجة.. كفاية أنه أول رئيس يزور الكاتدرائية ويعيد علينا"، ولكن اليوم أصبح التفاوض المقزز علي الحقوق مثير للغضب، واستطاع "الحرس القديم" في الكنيسة أن يُشعل فتيل التحسر علي أيام بطريرك راحل وإلقاء اللوم في ما يحدث من تجاهل الدولة علي البطريرك الحالي.
قانون بناء الكنائس الذي يعود بقضية المواطنة والمساواة للمربع صفر، والأدهى أن التعديل علي القانون جاء مثير للضحك، حيث جعل من شكل الكنيسة خاضع للمحافظ، بمعني له أن يوافق أو يرفض وضع صليب علي المنارة أو حتى بناء قبة، وجعلني هذا أتساءل ماذا لو أن المحافظ فنان واشترط وضع "بطة" علي المنارة عوض الصليب هل يحق للمسحيين الاعتراض مثلاً..!
كما أن الأسوار العالية إلزامية، إضافة إلي أن البناء يعتمد علي عدد المسيحيين في المنطقة، الرقم الذي طالما حير الجميع، فهو يصل لأدني مستوي عند الحديث عن بناء الكنائس وغيرها من الحقوق، ثم يزيد الرقم عند الحديث عن صناديق الانتخابات، وشهادة للحق وصل لأعلي تقدير في 30 يونيو، والانتخابات الرئاسية التي تلتها، ثم عاود الهبوط بشدة وكأنه لم يكن بعدها.
لماذا يبقي تعداد المسيحيين أمن قومي، هل لأن الرقم الحقيقي يضع الدولة في مأزق وهو "المساواة" في الحقوق والواجبات التي من المفترض أن تتوافر لكل من يحمل الجنسية المصرية بغض النظر عن دينه، ولكن تلك الحقيقة الغائبة عن دولتنا تجعل من التعداد الحقيقي للمسيحيين شئ مفزع يهدد استقرارها بحجة أن في حال إعلانه سوف تغضب الأغلبية إذا ما أدركوا أن الأقلية ليست أقلية.
والدليل أن القانون الجديد "لبناء الكنائس" بشروطه المثيرة للضحك يؤكد علي استمرار توجه دولة بحكامها ببرلمانها قائم علي "العنصرية"، وما يحدث من تطرف في الشارع ليس سلوك فردي شاذ، وإنما تطبيق عملي لما أرسته السلطة العليا من تمييز، ربما يظن البعض أن كلماتي شماتة في شريحة المسيحيين من مؤيدي "العسكري"، ولكن في الواقع هي شماتة في واقع ظن فيه البعض أن الإخوان هم وحدهم الأكثر تشددا وطائفية.
كارولين كامل

تعليقات
إرسال تعليق