مرحباً بك بموقع الاخبار القبطية

فاطمة ناعوت تكتب أيها الطالب المسلم، من فضلك ابغضْ زميلَك المسيحي

بقلم فاطمة ناعوت

الدستورُ المصري ٢٠١٤، الذي اِستُفتي عليه الشعب المصري، وأقرّه بالأغلبية، يعترف بالديانة المسيحية ويحترمها، كإحدى رسالات سماوية ثلاث يعرفها العالم، والأكثر انتشارًا بينها. فهل نلتزم نحن “كأفراد” ببنود ذلك الدستور الذي وقفنا في الطوابير ساعات حتى نُقرّه؟! لا أظن. الرئيس عبد الفتاح السيسي أقرّ غير مرّة وفي أكثر من مناسبة بحتمية “تجديد الخطاب الديني” الذي لن تنقشع دونه غُمّة الإرهاب الأسود عن سماء بلادنا. فهل نعمل بالفعل على تجديده كأفراد؟ بالقطع لا. مازالت الطائفية تعشّش في عقولنا كأحجار ثِقال تُرهق قلوبنا بالضغائن، وترهق قلبَ مصر بالفتن والإرهاب. فإن كانت أجيالُنا قد “شربت” حتى الثمالة من كأس الطائفية والتعنصر عقودًا أربعة طوالا، وأصبح إصلاحُنا صعبًا عصيًّا إلا برحمة الله تعالى، فلصالح مَن ننشئ أجيالا جديدة مصابةً بذات المرض اللعين الضارب عقولنا وقلوبنا نحن الأجيال “المعطوبة” بآفة الطائفية؟
أصدرت وزارة التربية والتعليم بيانًا يبرئ ساحة مناهجها من موادّ تحضُّ الطلاب المسلمين على كراهية أشقائهم المسيحيين. شكرًا على هذا البيان الذي سنصدّقه، رغم تحفظنا على ذلك. لأن المناهج التعليمية، خصوصًا كتب القراءة والدين، تُبرز الاختلافات بين الأديان، تلك التي تُفرّق وتنشر العداوات الصغيرة التي تكبر مع الأيام، وفي نفس الوقت تغضُّ الطرف عن المشتركات بين الأديان، وما أكثرها، والقيم الإنسانية النبيلة، تلك التي تجمع التلاميذ على المحبة والتوادّ والتراحم والعيش الصحي السوي الذي يبني أجيالا سليمة روحيًّا وعقليًّا، هذا أولاً. وثانيًا لأن التحريض “غير المباشر”، لا يقلّ خطورة وأذًى عن التحريض “المباشر”. لن تجد في كتب الوزارة عبارة صريحة تقول: “أيها الطالب المسلم، من فضلك ابغضْ زميلَك المسيحي!” لكنك ستجد المعنى ذاته منثورًا ومؤكدًا متواريًا بين سطور الكتب وعلى جدران حوائط المدارس وسبوّراتها وكراساتها، والأخطر: ستجد ذلك الحضّ على البغض منثورًا على ألسن المعلمين والدادات وحارسي البوابات، وفي سلوكهم اليومي التلقائي الطبيعي غير المتعمّد.
تخيّلوا معي أننا ركّبنا كاميرات خفيّة في كل فصل من فصول مدارس مصر، ريفها وحضرها، صعيدها وشمالها، ثم تفرّجوا على ما تنطق به ألسنُ المعلمين من كلمات طائفية. قد تكون مقصودة، وقد تكون لا إرادية وغير مقصودة، لكنها تفعل في النشء الجديد جريمتين هائلتين سوف تتجلى آثارهما الخطيرة مع الأيام. أولا: تجرح مشاعر الطفل المسيحي وتُصدّع روحَه وتجعله منقسمًا على ذاته فينشأ شاعرًا أنه “ضيفٌ” على مجتمع لا يرحب به. وثانيًا: تغرس في ذهنية الطفل المسلم أن له امتيازات لا يملكها زميلُه المسيحيّ، فيُكوّن في عقله الصغير حقوقًا “وهمية” يتصوّر أنها له، ومع أول اصطدام مباشر باللوائح والقوانين والمساءَلة، تتهشّم قناعاتُه الخاطئة فيبدأ تصدّعه النفسي حين تشتعل داخله صراعاتٌ بين “العُرف” المتوحش، وبين قانون “الأخلاق” الإنساني المحترم. الطفلُ، كل طفل، يدخل المدرسة صفحة بيضاء نقية عير مدنسة بأمراض المذهبيات، ومع السنوات، تبدأ تلك الصفحات البيضاء في التلوّث بالعتامة يومًا بعد يوم حتى تضيع براءته ويختفي نقاؤه وسموّه وتحضّره.
نحن نمارس الطائفية في بيوتنا فندمّر أطفالنا دون قصد. الأسرةُ المسيحية التي تُنشئ طفلَها على أن يتجنّب زميلَه المسلم، تُدمّر طفلها مع سبق الإصرار والترصّد، وإن لم تقصد هذا. والأسرة المسلمة التي تُنشئ طفلها على تجنّب زميله المسيحي، تُدمّر طفلها مع سبق الإصرار والترصّد، وإن لم تقصد هذا. كلا الأسرتين، والمعلمّ الذي لا يزن كلامه بميزان الذهب قبل أن يلوث صفحات التلاميذ النفسية البيضاء بشوائب الطائفية، ليسوا فقط مجرمين في حق أطفالهم وتلامذهم، بل في حق مصر التي لن يكون غدُها أجمل إلا حينما نُعيد تربية أنفسنا على الجمال والعدل والسموّ واحترام الآخر. لن ينصلح حالُ مصر، ولن يختفي الإرهاب البغيض من بلادنا؛ قبل أن نصلح أنفسنا، ونبدأ بالمعلم، نحّات العقول، صائغ الأفكار، فلاح البراعم: أطفالنا.